حافلة نحو الجديدة

 قِصّة قَصيرة

مبارك وساط


بعد أن دسّ إبراهيم السّينيّ حقيبتة الجلديّة السّوداء على رفّ الحافلة المُشَبّك تحت جانب سقفها الأيسر، ودفعها بقبضة يمناه لتنحصر بين حقيبة جلدية صفراء وحاجز معدنيّ، جلس على الكرسيّ الفارغ أسفلَ المكان الذي أودعه حقيبته، مستبقياً في يده كيساً أخضر بِداخله ثلاثة بِيرِيهات مختلفة الألوان، ومعها كتيّبات أشرطة مُصَوَّرة. لقد اختار هذا المقعد الموجود جنب الممرّ، في الجهة اليُسرى من الصّفّ الرّابع خلف السّائق، أساساً لأنّه سيجلس بجانب شخص نحيف، وبالتّالي، فلن يزاحم أحدهما الآخر، ولن يضغط أحدهما على الآخر بكتفه حتّى ولو انعرجت الحافلة بِصورة مباغتة. وعلى أيّ حال، فتذكرة السّفر الّتي اقتناها إبراهيم من مُساعد السّائق وهما على الرّصيف، لا تحمل رقم مقعد مُعَيَّن. والحافلة نفسها أقلعت مِن محطّة بآسفي، لكنّ إبراهيم صعد إليها في جمعة سحيم مع ثلاثة أو أربعة أشخاص آخرين، كانوا أيضاً بانتظارها على الرّصيف، أمام مقهى كبير وغير مُعتَنىً به.

في لحظة ما، شعر إبراهيم أنّ جاره يسترق نظرات جانبيّه إلى ملامحه. تساءل: تُرى هل يُفكّر أنّنا سبق أن التقينا في مكان ما؟ ثمّ ازداد فضول إبراهيم، فالتفت نحو جاره وأمعن النّظر في وجهه. قال هذا الأخير: "ألست أنت إبراهيم السّيني؟" فردّ عليه إبراهيم، وكان قد تذكّره: "وأنتَ، عليّ أبو حنيفة، أليس كذلك؟" فضحك الرّجل النّحيف وقال: "لا، بل عليّ بوخليفة"، وضحكاً معاً، ثمّ تصافحا. ولاحظ إبراهيم أنّ ضحكهما أثار انتباه امرأة جالسة بالمقعد الأماميّ الأيسر من مقاعد الجهة اليُمنى. لقد التفتتْ ونظرتْ إليهما مَلِيّاً، كأنّها تتساءل عمّا جعلهما يُطلقان العِنان لَِضحكهما. المرأة في نحو الخمسين، في جبينها وشم وحاجباها كثّان وفي نظرتها استغراب وتوجّس، وهي تلبس جلّابيّة برتقاليّة بَهت لونها قليلاً، وتضع قُبّ الجلّابيّة على رأسها، ولها نقاب أنزلته أسفلَ ذقنها.

البيريهات: واحد أصفر، الثّاني أحمر، الثّالث أَسْوَد. سيعطي إبراهيم لأخيه عُمَر الذي سيزوره في الجديدة، والأشرطة المُصَوَّرة ستكون مِن نَصيب بنت الأخ. أمّا عليّ، جاره الآن، فهو في مثل سِنّه، وابن بلدته بَرديشة. وفيما كانت أسرة عليّ تقطن بِحيّ النّور، كان بيت أُسرة إبراهيم في حيّ قريب من هذا الأخير: دْيُورْ لَحْجر. وقد جمعت بينهما نفس المدرسة خلال سنوات الدّراسة الابتدائيّة، كما درسا في نفس الإعداديّة، وها هما يلتقيان الآن في هذه الحافلة بعد خمس عشرة سنة لم يَرَ خِلالَها أحدُهما الآخر.

يتساءل إبراهيم، في سِرّه : "تُرى ما اسمُ المرأة ذات الوشم على الحبين والجلّابيّة البُرتقاليّة؟"

يَسأله عليّ: "أين أنت الآن، وما حالك مع الزّمان؟"

إبراهيم: "أنا الآن موظّف في دار الضّريبة في جمعة سحيم. متزوّج من ممرّضة، ولنا طفل".

عليّ: "أنا أستاذ تاريخ وجغرافيا في ثانويّة بِخميس الزّمامرة، وعائد مِن سَفرة إلى آسفي. لي صديق، مُخرج سينمائي يعيش في الدّار البيضاء، أكتب الآن سيناريو لِفيلمه القادم، وأنا فَرِح بهذا".

إبراهيم : "هذا رائع. هنيئاً لك آسّي أبو حنيفة".

عليّ : "بُوخَليفة، بوخليفة، وليس أبو حنيفة !"

إبراهيم : "نعم، نعم، آسّي عليّ. يحدث لي، أحياناً، التباس بين اسم وآخر، إن كان الاسمان متقاربين. مثلاً، لي خالتان، إحداهما اسمها الغالية، والثّانية اسمها العالية، ورغم أنّي زرتهما مراراً، فأنا لا أستطيع أن أحدّد بشكل بديهي مَن مِن بينهما العالية وَمَن الغالية".

قهقه عليّ فسايره إبراهيم، ومِن جديد التفتت المرأة ذات الوشم وتفرّست في إبراهيم بشكل غريب. وما إن كفّت عن النّظر إليه وأدارت رأسها حتّى أدخل يده إلى الكيس الأخضر وأخرج منه البيريه الأسوَد ووضعه على رأسه.

قال عليّ: "يحدث لي أنا أيضاً أن أسمع كلمات عِوَض أُخرى. وبِسبب لَبْس مَِن هذا القبيل، كِدتُ أتهجّم على رَحمة ابنة جِيراننا، وكنّا طِفلين وقتها، لكنّها سرعان ما أعادتني إلى الصّواب"،وهلّق على كلامِه بِضحكة مُقْتضَبة.

سأله إبراهيم: "وكيف حدث ذلك؟"

وانحازت الحافلة إلى أقصى اليمين، ثمّ توقّفتْ. كانت هنالك قرية على مقربة مِن مكان توقّفها، والتفت إبراهيم صوبها: كانت هنالك دور كثيرة، بعضها متلاحم في كتل، وبعضها منفرد، وفي طليعة المشهد، ثلاثة حُمُر وبقرة وكلب، وهذا الأخير، مِن بينها، هو الذي كان يتفرّس مِن بعيد في الحافلة وينبح، فلا يُسمع نُباحه وإنّما تُرى حركة فكّيه. وصعد رَجل وفتى وطفلة صغيرة إلى الحافلة، وسأل مُساعد السّائق الرّجلَ مُجَدَّداً: "يَاكْ خْميس الزّمامرة؟"، فأجابه الرّجل بالإيجاب، وجلس الوافدون الثّلاثة في الجانب الخلفيّ من الحافلة.

التفتت المرأة ذات الوشْم مِن جديد، والتقت عيناها بعيني إبراهيم بشكل سريع، ثمّ رفعتْ عينيها صوب البيريه الأسوَد الذي يَعلو رأسَه، وغَضَّنتْ جبينها، ثمّ أدارت رأسها بسرعة كأنّها توجّسَتْ مِن شيء ما، ووجّهت بصرها صوب الزجاجة الأماميّة إلى الطّريق. وبمجرّد ما أشاحت عن إبراهيم ببصرها، تناول هُوَ كيسَه البلاستيكي الأخضر، فأعاد إليه البيريه الأسود، وأخرج منه البيريه الأصفر ووضَعَه على رأسه.

قال عليّ: "كنتُ أحكي لك آسّي السّيني، عن خطأ في السّمع، كِدتُ أتهجّم بسببه على رَحمة، ابنة الجيران".

ردّ إبراهيم: "كيفاش وْقَع، آسّي أبو حَنيفة".

قال عليّ: "ما شي أبو حَنيفة، ما شِي أبو حنيفة. بُوخَليفة".

حرّك إبراهيم رأسه مِن فوق إلى تحت عِدّة مرّات، وقال: "نَعم آسي عليّ".

قال هذا الأخير: "هل تتذكّر ما كان يُطْلَق عليه في طفولتنا اسم "الكطّاية؟"

إبراهيم: "طبعاً. كانت بعض العائلات تَحلق رؤوس أطفالها الذّكور، وتترك للواحد منهم، قبل أن يتجاوز سِنّاً مُعَيَّنة، "قَرناً" مِن الشّعر المفتول في زاوية مِن مؤَخَّر رأسه، فذلك القرن هو الكطّاية، أليس كذلك؟"

عليّ: "نعم، وقد كانت هذه العادة الغريبة لا تزال وقتَها مُتَّبَعة في أسرتنا، وكنتُ في نحو الخامسة، وقد أخذني أبي إلى حلّاق حَلَق لي شَعري الطّويل بِالموسَى، وترك لي رُقعة شَعر في طَرَفٍ مِن مؤخَّر قُنّتي، وفي وسط تلك الرّقعة قَرن مِن الشّعر المفتول... تتذكّر ذلك الحلّاق، سي حميد؟ لقد كان مَعروفاً في حيّي النّور وديور لَحْجَر في تلك الأيّام..."

إبراهيم: "طبعاً أتذكّره، كان حانوته في حيّكم، وقد حَلَق لي مراراً أيّام الطّفولة".

عليّ: "وفي صباح أحد الأيّام، وكان يومَ عيدٍ وَطَنيٍّ ما، خرجتُ في عباءتي، وكطّايتي تتراقص في خلفيّة رأسي. ثمّ انفتح بيتُ جارنا المعروف بالشّيظمي، وبرزت منه رَحمة، ابنة الجار، وهي في مثل سنّي. كانت مَرِحة، وكثيراً ما لعبنا معاً في تلك الأيّام. ثمّ خدعتْني حاسّة السّمع، فكدتُ أتهجّم على رحمة، بالكلام طبعاً، ذلك أنّي سمعتُ مِن فمِها هذه الجملة: "وا عْليّ بوكطّاية". فانزعجتُ بِقُوّة، واتّجهتُ صَوبها قائلاً: "أنا بوكطّاية؟ أنا بوكطّاية؟". وسارعتْ هي إلى تصحيح خطئي السّمعيّ، فقالت لي: "لا، ليس هذا ما قلته، بل قلت لك: "وا عْليّ، علَّقنا الرّاية". وبِالفِعل، فقد كانت هنالك راية مُعلَّقة فوق باب منزل الجار، بمناسبة ذلك العيد الوطنيّ".

إبراهيم (ضاحِكاً بِشكل خافت): "ذِكرى جميلة، رَغم كلّ شيء".

عليّ: "نَعم، بِمرور الوقت، تكتسي أشياء ووقائع مُسحةً مِن جَمال لَم تكن لها في وَقتها".

إبراهيم: "سأخبرك بِشيء. تتذكّر سي بْشِينة المعلّم، ولا شكّ. كنتُ أتذكّره باستياء وحَنق، لأنّه ضربني بمسطرته الخَشَبيّة على كفّيّ ذات صباح بارد، لِكوني لم أحفظ بعض الآيات القرآنيّة، وكنتُ وقتَها في سنتي السّابعة. ولكنْ حدث أن التقيتُه في آسفي، قبل نَحو سنة ونصف، ورأيتُه في حال من الضّعف الجسديّ، وحتّى جلّابيته كانت مُهلهلة، فتعاطفتُ معه وسلّمتُ عليه باحترام ووُدّ، وتبخّر كلّ ذلك الحَنَق القديم".

عليّ: "أمّا أنا فكلّما تذكّرتُه أضحَك. لقد كان مُعلّمنا للعربيّة والتّربية البدنيّة في المتوسِّط الأوّل، وخلال حصص التّربيّة البدنيّة، كان يَقف أمامنا بِجلابيته وبَطنه البارز، ويَقوم، بِصعوبة، ببعض الحَركات الرّياضيّة ويطلب منّا أن نُحاكيه، ثمّ يطلب منّا أن نقضي وقتنا في الجري حول السّاحة، ومن يتعب يمكنه أن يجلس أرضاً... لقد كان ذلك متعباً لنا وغير مفيد، ومع ذلك فأنا لا ألوم ذلك المعلّم المسكين... ممّا أتذكرّه أيضاً أنّك كنتَ لاعب كرة قدم جيّد آسي السّيني".

إبراهيم: "ولي عن ذلك ذكريات جميلة جِدّاً، رغم أنّني لم ألعب إلّا في فريق حيّنا. أحياناً أشعر بالزّهو بذكرياتي كلاعب لِكرة القدم، كأنّي كنتُ أَقَصبي أو الظُّلْمي!".

ضحك عليّ وإبراهيم، والتفتت المرأة ذات الوشم التفاتة خاطفة، وبدا أنّ رؤيتها للبيريه الأصفر على رأس عليّ جعلتها تُقَطِّب ما بين حاجبيها، مُجَدَّداً وبِشكل أقوى، بل وربّما سَرت قُشَعريرة في عنقها، حسب ما خمّنه إبراهيم مِن حركة مؤخّر رأسها.

ثمّ صَمَتا.

ووصلت الحافلة إلى زاوية سيدي اسماعيل فتوقَّفتْ. هنا، سينزل قاصدو هذه البلدة، وسينزل أيضاً كلّ من يُريد أن يُدخِّن أو يشرب قهوة أو يأكل شيئاً ما.

التفت إبراهيم نحو عليّ، ليدعوه إلى النّزول لِشرب قهوة أو تناول أكلة، لكنّ هذا الأخير كان قد نام. نَزل إبراهيم لِوحده إذنْ واتّجه إلى مقهى كبير، يحتلّ زاويةً منه، قرب نافذة كبيرة مفتوحة، شوّاء أمامه بضاعته: كفتة، سفافيد كبد ولَحم، شرائح كبد... شَعر إبراهيم بِالجوع، فمضى نحو الشَّوّاء وطلب منه شرائح كبد. ودخلت إلى المقهى امرأة بدا أنّها نفساء، كانت بادية الفقر، تحمل بين يديها رضيعاً ملفوفاً في قِطعة مِن إزار أبيض، يظهر منها رأسه الصّغير. وقفتْ بمحاذاة إبراهيم، فناولها بضعة دراهم، وطلب من الشّوّاء أن يُقَدِّم لَها ما تُريد أكله. بعدها، أدّى عنها وعنه، ثمّ مضى لِيُطِلّ مِن باب المقهى كانت الحافلة ما تزال واقفة. فكّر إبراهيم: "إنّ الحافلة تَغُطّ في نَومها، كما يفعل عليّ أبو حنيفة". بعدها استدرك: "ليس أبو حنيفة، بل بُو خليفة"، وابتسم وعاد إلى المقهى.

طَلَب كأسَ شاي، وأشعل سيجارة. بَدأ يَرشف مِن شايِه، قائلاً لِنَفسه: "لا داعِيَ للتّسرّع، فالحافلة نائمة".

لكنّه حين خَرَج، اكتشف أنّ الحافلة لم تكن قد استيقظتْ فَحَسب، بل كانت قد فَرَّتْ أيضاً. إذن، فهي قد مَضتْ في طريقها تاركةً إيّاه في ذلك المقهى. فَكّر: "لو لم يكن عليّ نائماً لَطلب من السّائق انتظاري، ولكن..."

كان الكيس الأخضر في يد عليّ اليُسرى، لكنّ حقيبته كانت تُسافِر الآن مِن دون صاحبها. وتأسّف عليّ لِما حدث، ثمّ خامَره بعضُ اﻷمل حين رأى سيّارة "بيك آب" واقفة في السّاحة التي أمام المقهى، وبداخلها صاحبُها، متطلّعا مِن نافذته إلى الهواء الطَّلق. فكّر إبراهيم أنّه ينتظر زبائن يقصدون قرية ما قريبة، وتوجّه صوبه وقال له: "السّلام عليكم. أريد أن ألحق بالحافلة التي "هربتْ عليّ"، وسنجدها، إذا أسرعنا، واقفة في خْمِيس الزّْمَامرة". "أجابه صاحب "البيك آب": "مرحباً، وستؤدّي لي سبعين درهماً". قال له إبراهيم: "نَعم، نعم".

حين وصل "البيك آب" إلى خميس الزّمامرة، كانت الحافلة التي أقلعت مِن دون إبراهيم ما تزال واقفة في ساحة أمام بعض المقاهي. رأى إبراهيم، رفيقَ رحلته، نازلاً من الباب الخَلفيّ للحافلة، فهو قد وصل إلى مقصده. اندهش هذا الأخيرْ إذْ وقف أمامه إبراهيم. سأله عمّا وقع، فروى له إبراهيم القِصّة. قال عليّ: "بالسّلامة وإلى اللّقاء، سي السّيني". قال إبراهيم: "إلى اللِّقاء، سي أبو حنيفة". قال عليّ: "ليس أبو حنيفة. بُوخَليفة، بُو خَليفة". حرّك إبراهيم رأسه مُوافقاً، وقال: "سي بُو خَليفة".

فتح إبراهيم الكيس البلاستيكي الأخضر، وأخرج منه البيريه الأحمر، وأحلّه مَحلّ الأصفر، فوق رأسه، ثمّ صعد درجتي الباب الخلفي لِلحافلة، ومضى نحو مَقعده. رفع عينيه ورأى حقيبته في مكانها، فاستكان في جلسته.

لاحظ إبراهيم أنّ المرأة ذات الوشم على الجبين جالسة في مكانها. قال في سِرّه: "لا شكّ أنّها ذاهبة إلى الجديدة"، ثمّ أضاف: "تُرى ما هو اسمُها؟"، وأجاب نفسه: "طامو، هذا هو اسْمُها... في اعتقادي على الأقلّ".

فجأة، التفتت المرأة صوبه، وانفتحت عيناها على سعتهما، ثمّ وَجّهت نظرها إلى البيريه الأحمر، واهتزّ رأسها قليلاً، كأنّها اضطربت، وتحرّكت شفتاها في غمغمة غامضة، قبل أن تُشيح بِبصرها وتُدير رأسها.

بَدا أنّ الحافلة تُوشك على الدّخول إلى محطّة الجديدة، ووَرَدت في ذاكرة إبراهيم مشاهد من جلسات له بهذه المدينة مع أخيه عُمر ومع صديقين آخرين. ثمّ علا صوتُ مساعد السّائق: "ياللّه آمّوالين الجديدة. عْلى سْلامتكم".

نزل مَن كان قد تبقّى مِن الرّكّاب، واتّجهوا صوب باب المحطّة. كانت الشّمس محجوبة بِغيوم كثيفة، والسّماء تُنذِر بإمطار وَشيك، وكانت المرأة ذات الوَشم على الجبين وأشخاص آخرون مِن رفقاء السَّفَر، غير بعيدين عن إبراهيم. كان فجأة أدارت المرأة رأسها مِن حولها، ثمّ التفتتْ فالتقتْ نظراتها بنظرات إبراهيم الذي لم يكن بعيداً عنها، وندّ عنها صوت، ما بين الشَّهقة والصّرخة، وارتفعت يَدُها اليُسرى قليلاً إلى أعلى، كأنّها تُريد أن تحتميَ مِن شَيء ما. تنبّه عدد ممّن حولها إلى ردّة فِعلها، فالتفتوا إلى حيث كانت تنظر. اتّجهت الأبصار، إذن، إلى إبراهيم، فشعر بالحَرَج، لكنّ شفتيه افترّتا عن ابتسامة، ثمّ قال: "لا لوم عليها. هي تَحسبني من الجِنّ!".

20 ــ 04 ــ 2026