![]() |
| جيمس جويس، في طفولته |
«اُتْرُكْهُ ضائعا في الصّحراء، وسيرسمُ لها تصميما»، هكذا تحدّثَ والِدُ جيمس جويس عن طفله، الذي سيُصبح أحدَ أكبر روائيّي القرن العشرين. واليوم، بعد مرور عقود طويلة على وفاة صاحب "يُوليسِّسْ"، لا يزال هذا الرّوائي الإيرلندي الفذّ مُعلِّماً كبيراً في مجال فنّ الرّواية، لا يُمكن لأيّ ممارس جِدّي للكتابة الرّوائية أن يستغني عن قراءة أعماله (أو بعضِها على الأقلّ). وبصيغة أخرى، فأساليب الكتابة السّرديّة لدى جويس تبقى لها أصالتُها وفرادتُها، غير القابلتين للاختزال، رغم أنّ العديد من كبار الرّوائين قد استلهموها، بعده، واعتمدوها بصورة أو أخرى. ومع أنّ طرائق الكتابة لدى هذا الرّوائي أبعد ما تكون عما هو معهود في «الرواية الواقعيّة»، فإنّ قارئ أعمالِه يُدرك كم هو خبير بنفسياتِ أصنافٍ مختلفة من البشر... وفي هذا الصّدد، قال عنه بورخيس: « إنّه خبيرٌ بنفسيّة المرأة كما لو كان جَدَّةَ الشَّيطان»!
وُلِد جيمس جويس بِدَبْلِن، في 2-2- 1882، وكان أكبر الأطفال العشرة الذين أنجبهُم والداه. تلقّى التّعليم في مدارس كاثوليكيّة، ثمّ في جامعة دبلن، وأحرز ديبلوما في اللغات الحديثة، ثمّ رحل إلى باريس ليدرسَ الطبّ، لكنّه عاد منها بعد شهور، كان قد أجهز خلالها على ما تدبّرتْه له أسرته من مال. وحين كانت أمّه في النّزْع الأخير، رفض الصّلاة عليها، مُعلنا بذلك انسلاخه عن المعتقدات الدّينيّة. تزوّج من نورا بارنا، التي كانت، حين التقاها، تشتغل بأحد الفنادق، وسيستلهم شخصيّتها في بعض كتاباته الإبداعيّة. وقد رحلا عن إيرلندا، إلى زوريخ أولا، ثمّ إلى مدن أوروبية أخرى. وفي ترييست، التي درَّس بها الإنجليزيّة، كان من بين طلبته واحدٌ يُدْعى إيتُّوري شميتس، وهو الذي سيصبح معروفا كروائي إيطالي كبير تحت اسم إيطالو سفيفو (صاحب "ضمير زينو"...)! وقد أصبحا صديقين، وسيستلهم جويس من شميتز شخصيّة ليوبولد بلوم (في رواية "يوليسِّسْ" أو "عوليس").
قبل أن يرحل جويس عن ايرلندا، كان قد شرع في كتابة قصّة- سيرة ذاتية، بعنوان "ستيفن بطلا"، وعددا من القصص القصيرة، جمعها في كتاب سيظهر إلى الوجود – بصعوبة! - تحت عنوان "أهل دبلن" ( إضافة إلى عدد من القصائد...). وتلك القصّة-السّيرة الذّاتية هي التي سيعيد كتابتها على شكل رواية، تحمل عنوان "صورة الفنّان في شبابه" (ترجمها إلى العربية ماهر البطّوطي، ونشرتْها دار الآداب سنة 1973).
مُنذ البداية، يتبدّى لنا سعيُ جويس في "صورة الفنّان..." إلى إفساح المجال لوعيِ وحساسيةِ الشّخصيّة الرّوائية ليُفصحا عن نفسيهما. تبدأ "صورة الفنّان..." كالتّالي: « في يوم من الأيّام، وكان يوما جميلا جدّا، كانتْ هنالك بقرة قادمة عبر الطّريق، وقابلتْ هذه البقرة القادمة عبر الطّريق صبيا صغيرا لطيفا جدا إسمُهُ الطّفل تاكو... قصَّ عليه أبوه هذه القِصّة، وكان ينظر إليه. كان له وجهٌ كثيفُ الشَّعر. أمّا هو، فكان الطّفل تاكو.... إنّ رائحة أمّه أفضل من رائحة أبيه، وكانتْ تعزفُ له لحن البحّارة لكي يرقص عليه: ترالالا، لالا، ترارالالا...» (الترجمة لماهر البطوطي). وبعد صفحات، تتغيَّر نبرة السَّرد، فستيفن تقدّم في السّنّ بضعة أعوام. وهكذا فهو داخليّ بإحدى المدارس، بعيدٌ عن أهله، وينتظر عطلة عيد الميلاد: « وعندما جلس في الفصل فتح غطاء قمطره وغيّر الرّقم المُثبت في الدّاخل من 77 إلى 76. كانتْ إجازة عيد الميلاد بعيدة جِدّا، ولكنّها لا بُدّ أن تأتي يوما لأنّ الأرض تدور على الدّوام. كانتْ هنالك صورة للكرة الأرضيّة في أوّل صفحة من كتاب الجغرافيا. كرة ضخمة تُحيطُ بها السُّحُب... وفَتَحَ كتاب الجغرافيا لكي يستذكر الدّروس، ولكنّه لم يستطع استذكار أسماء الأماكن في أمريكا. كانتْ كُلُّها أماكن مُختلفة لها أسماء مُختلفة، وكُلُّها في بلاد مختلفة، والبلاد في قارّات والقارّات في العالَم والعالم في الكون. ورجع إلى الصّفحة الأولى البيضاء من كتاب الجغرافيا وقرأ ما كان قد كتبه عن اسمه والمكان الذي يوجد فيه: ستيفن ديدالوس/ قسم الحِساب/ مدرسة كلونجوز الثّانويّة/ مدينة سالينز/ مقاطعة كلدار/ إيرلندا/ أوروبا/ العالَم/ الكون. وكان هو الذي قام بكتابة هذا. وذات ليلة كتب «فلمنك» هذه المقطوعة على الصّفحة المُقابلة ليمزح معه: اسمي ستيفن ديدالوس/ ووطني إيرلندا/ أسكن في كولنجوز/ سوف أصعد إلى الجنّة. وقرأ سطور المقطوعة من الخلف للأمام، ولكنّها لم تنتظم شعرا عنذ ذلك...» (ت: م. البطوطي).
إنّ ما يعيشُه ستيفن يُنقل إلينا من خلال وعيه وأحاسيه، المرتبطة بتحوّلاته، على المستويين الجسماني والوجداني. فنحن نتتبّعُه منذ طفولته، لا من خلال وصف خارجي يتكفّل به الرّوائي، ولكن بضَرب من المعاينة لتفاعله كذات مع مَعِيشِها... وفي القسم الأخير من "صورة الفنّان..."، سنجد ستيفن ديدالوس منغمسا في عوالم الإستطيقا...
أمّا "يُوليسّسْ" (أو عوليس)، فقد تصوّرها جويس، في المنطلق، كقصّة قصيرة تُضاف إلى قصص "أهل دبلن"، لكنّها قرّرتْ مصيرها بنفسِها، وأضْحتْ إحدى أهمّ الرّوايات في زماننا. وقارئ جويس يعثُر على العديد من شخصيات "أهل دبلن" في "يوليسس" مُجدّدا...وفيما يخُصّ هذه الأخيرة، أي مجموعة "أهل دبلن"، فمن أهمّ ما تضمّنتْه قِصّةُ "الأموات" (يترجم البعض عنوانها ب: "الميت")، التي نقلها جون هيوستن سنة 1988 إلى السّينما تحت عنوان "أهل دبلن". وهي تقدّم لنا عددا من الشّخصيات المُتفرّدة، من بينِها شخصيّة ج. كونروي، المثقّف والمحاضر بالجامعة، الذي سيكتشف أنّ ما تذرفه زوجتُه من دموع، إنّما هو في ذكرى حبيب لها سابق، قضى نحبه!..
و"يوليسّسْ" مَعْلمة في مجال النّثر، نُشِرتْ، للمرّة الأولى، سنة 1922... وقد نقلها إلى العربية د. طه محمود طه تحت عنوان "عوليس"، ثمّ ظهرت لها ترجمة ثانية إلى العربيّة، مِن إنجاز للشّاعر صلاح نيازي. لا تحمل رواية جويس هاته كعنوان اسمَ بطل عمل هوميروس،"الأوديسة"، من باب الصُّدفة، ذلك أنّها تُحيل إلى مغامرات يوليسِّسْ (أو عوليس) من خلال تنقُّلاتِ ليوبولد بلوم عبر أماكن واقعيّة في دبلن ( من الثّامنة مِنْ مساء يوم 16 يونيو 1904، إلى الثالثة من الصّباح المُوالي ) ولقائِه بستيفن ديدالوس... وهذا الأخير يُجسّد هنا، مُجدّدا، شخصيّة الفنّان الذي يستبدُّ به الشُّعور بالضّيق والاغتراب لأكثر من سبب... وجدير بالإشارة أنّ هذه الرّواية قابلة لأن تُقرأ على عدّة مُستويات. وكانت، في البداية، قد مُنِعَتْ بدعوى أنّها « فاحشة»، والكثيرون وقْتها حقدوا على جويس باعتباره كاتبا « لا أخلاقيّا»!
ولا يفوتني هنا أن أشير إلى رواية «صعبة» لجويس، تحمل عنوان "يقظة فينيغن"... وقد تكون المقاربة الشّعريّة لها هي الأكثر ملاءمة. وفي هذا الصّدد، أتذكّر مقالة كان قد كتبها في مستهلّ الثّمانينيات الشّاعر والرّوائي المغربي المرحوم محمّد خير الدّين عن "يقظة فينيغن"، باعتبارها «قصّةَ حُبّ بين نهرين»!
أختم بهذه القولة، وهي لجويس نفسه، وقد وردتْ ضمن "حوارات مع جُويس" ( نقلها إلى العربية الرّوائي التّونسي حسّونة المصباحي، ونشرتها مجلّة الكرمل في عدديها: 83 و84): « في روايتي "يوليسس" حاولتُ أن أؤسِّس أدبا انطلاقا من تجربتي الشّخصيّة، وليس انطلاقا من فكرة مسبقة أو من إحساس عابر أو طارئ... في "يوليسِّسْ"، حاولتُ أنْ أرى الحياة بوضوح... إنّ يوليسِّس كان دائما بطلي المُفَضّل.. نعم، هو كان كذلك حتّى في فترة شبابي القَلِقة، إذ إنّ فترة شبابي كانتْ موسومة بالعُنف بصفة استثنائيّة. لقد كانتْ صعبة وعنيفة».
