كنتُ على حافّة الرّصيف، أنتظر أن تَمرّ بِضع سيّارات لأعبر إلشّارع وأتابع طريقي. في الجهة المقابلة، أرى امرأتبن وأطفالاً ورجلاً معقوف الظّهر قليلاً يخرجون من هذا المستوصف الذي أعرفه جيّداً وزرتُه أكثر مِن مرّة، رغم أنّي لا أقضي بِهذا الحيّ الرّباطيّ سوى شَهر تقريباً من صيف كلّ سنة. مساء أمس، قطعتُ أيضاً هذا الشّارع وأنا في طريقي إلى قاعة سينما، وعَلَتْ فيما حولي موسيقى شعبيّة صاخبة تنطلق مِن حَوْل عَرَبة يَجرّها حصان. فوق العربة، كانت هنالك ثِياب نسائيّة وشراشفُ مطويّة وهدايا مختلفة في طريقها صوب بيت خطيبة مُرسَلة إليها من طرف خطيبها. هذا يعني أنّ عُرسهما قد اقترب. كانت العربة تتحرّك بِلا إسراع بِمحاذاه الرّصيف المقابل، ومِن حَوْلِها مرافقون ومرافقات وعازفون، والموسيقى الصّاخبة كانت تتشكّل مِن خليط من الأصوات المتباينة المتنافرة والمتداخلة : واحد يضرب على البندير وآخر يعزف على الغَيطة وثالث يحبس تعريجته تحت إبطه ويُتابع الخبط عليها بكفّ مفتوحة سريعة الحركة، فيما رأسه يَتهزهز مُنتشياً بالإيقاع، وحافّةُ طاقيته الخضراء تنحدر نحو حاجبه الأيسر. دنوتُ من العربة وتعرّفتُ على صاحب التّعريجة لمّا أدار رأسه نحوي. لم أستطيع ألَّا أضحك، وكاد هو يَفعل الشّيء نفسَه، لكنّ شفتيه لم تتباعدا، فتركيزه كان منصَبّاً على الضّرب بِسرعة وتواتر على تعريجته. إنّه إبراهيم المُكنى بِوَلْد الباتول، وأنا أعرف الحانوت الذي يلتئم فيه مع رفاقه الثّلاثة على ناصية زقاق ضيّق، غير بعيد عن بيت خالي الطّيب. ذلك الحانوت الصّغير، يُنعَت أيضاً بِ"الرّيدو" لأنّ له ستارة معدنيّة عريضة تُسدَل لحظة إغلاقه. بداخل ذلك "الرّيدو"، عُلّقت إلى الجدران ملابس وطبل وبنادير وغيطتان نحاسيتان ونايان... فإبراهيم ورفاقه هم عازفو موسيقى شَعبيّة، ينتظرون في مقبعهم مَن يقترح عليهم شُغلاً في عُرسٍ أو حفل أو مُرافقةَ "هَديّة"... إنّ إبراهيم هذا هو ابن أخت زوجة خالي، وقد جاء مرّة ليتغدّى في بيت الخال، حيثُ أقضي بِدوري فترة مِن عطلة الصّيف. في مرّة أخرى، كلّفني الخال بأن أحمل إلى جماعة الموسيقيّين صحنَ أكارع. والرّفاق الأربعة يُبدون إعجاباً بِشغلهم، بِطريقة عابثة ولا شكّ، ففوق السّتار الحديدي لِمقرّهم، كتب واد منهم، بِصباغة زرقاء قاتمة وحروف متراقصة: "الفرقة النّحاسيّة"!
خالي الطّيّب، وهو حلّاق، يعرف كيف يعزف على الطّنبور، وقد رأيته يفعل ذلك في أحد الأيّام. كان ذلك أثناء زيارة قام بها لبيتنا في برديشة. جلستُ معه ذات صباح في مقهى، وجاء صاحب طنبور أشيب، قَلّ شَعْر رأسه وخَفّ وطال وانتفش، وبدأ يَضرب على طنبوره ويطوف ليلتقط دراهم من أيدي بعض الزّبناء. كان هؤلاء الأخيرون قِلّة. وطلب منه خالي الطّيّب أن يجلس معنا قليلاً ويشرب ما يُيد. وجلس وأخذ منه الخال الطنبور، وضرب على أوتاره بمهارة. حدث هذا قبل ثلاث سنوات. كنتُ وقتها في الثّالثّة عشرة فحسب، أمّا الآن فأفكّر في البكالوريا التي سأجتاز امتحانها في مُستَهَلّ الصّيف القادم.
خالي الطّيّب يشتغل حلّاقاً كما أسلفت، وهو ميّال إلى المزاح وإلى المناوشات الخفيفة أحياناً. إنّه أخو أمّي ويَكبرها بِسنتين، وهو أطوَل منها. لكنّ أبي أطول منه، بل إنّي الآن في مثل طوله: نحو متر وثمانية وسبعون سنتمتراً فيما أظنّ. أجيء إلى بيته بالرّباط مرّة كلّ سنة وأحياناً مرّتين. وفي الصّيف فحسب، أقيم عنده ثلاثة أسابيع أو حتّى شهراً. امرأته طيّبة وحنون، وفي سرّي أتأسّف لأنّهما بلا أطفال. ربّما يأتي الأطفال مستقبلاً، ما أدراني؟
الآن، أتمشّى بِداخل حديقة، أخرج منها وأتابع سيري. ليس لي قصد مُحدّد في صباح الجمعة هذا. أتذكّر حركة يد إبراهيم وهي تلطم التعريجة بلا هوادة. تبدو يده، مِن فرط سرعتها، كأنها بلا عظام. تبدو رخوة كما لو كانت قفازاً يُحرّكه صبيّ بِقوّة. لم أُجِل بصري في وجوه مرافقي "الهديّة" كلّهم، ومع ذلك لمحت العازفين الثلاثة الآخرين بشكل سريع، وتوقّفت نظرتي أكثر على شعيب صاحب الغيطة، فقد كان ينفخ فيها وطرفها الثّان يتحرّك في الأعلى، راسماً سلسلة دوائر متوالية.
تضايقت مِن خالي مساء أمس، وأبديتُ له ذلك وناصرتني زوجته حليمة. حين أفكِّر في المسألة الآن يبدو لي أنّ انزعاجي من الخال كان مُبالغاً فيه، خاصّة وأنّه اعتذر على طريقته وحاول تطييب خاطري. والمشكل الذي وقع يعود إلى كونه حاول الانقطاع عن التّدخين، لكنّه لم يستطع أن ينسى السيجارة بشكل تامّ ونهائيّ، فأصبح - على حدّ تعبيره- "يخطف" واحدة أو اثنتين، وربّما ثلاثاً - في كلّ يوم. إذن، فهو لم يعد يشتري علبة سجائر كاملة، وكلّما استبدّت به الحاجة إلى التّدخين ولم يستطع مقاومتها، يشتري سيجارتين أو ثلاثاً لا أكثر. إنّه يَعتبر نَفسه في مرحلة انتقاليّة نحو الانقطاع التّام الذي يتوخّاه. مساء البارحة، كنّا في بيته، نتابع فيلم ويسترن على شاشة التّلفاز، وفجأة أمسك برأسه بين كفّيه المفتوحتين وحنى رأسه قليلاً، وأغمض عينيه، ثمّ غطّى عيناً بكفّ ونظر نحوي بالثّانية وقال لي، ملصقاً على شفتيه شبه ابتسامة: "انهض، انهض وَاعمل معروفاً". تصنّعتُ عدم الفهم، وبحركة مِن رأسي سألتُه عمّا يقصد. تنبّه لِلعبتي فقال لي بِنبرة فيها وُدّ ومحاباة وممازحة: "انهض وَدَعْك من التّمثيل. اِذهب إلى حانوت بوعزّة واجلُبْ لي سِيجارتين، فرأسي يَكاد ينشّقّ". قالت له زوجته حليمة: "ما دُمتَ انقطعتَ عن التّدخين، فانْسَه بِشكل نهائيّ". أغفل كلامها، وبادر إلى الوقوف، فتوجّه صوب سترته المعلّقة إلى مشجب وأخرج ورقة نقديّة بين إصبعين مدّهما صوبي. لاحظتُ كيف أنّ بطنه انداح قليلاً إلى الأمام، وأنّ الشّعر بدأ يقِلّ على جانبي رأسه الأماميّين. قال لي : "أريد سيجارتيت فحسب". فكّرتُ أن أُعابثه قليلاً، فأشرتُ بيدي إلى التّلفاز ثمّ قلت: "والفيلم؟". قال لي: "انهض انهض، فهذا الفيلم ليس جيّداً". بتضايق مصطنع قُمت من مكاني، وأخذت منه الورقة النّقديّة (20 درهماً). كان عاديّاً طبعاً أن يُكَلِّفني أو تكلّفني زوجته حليمة بأمور مِن هذا القبيل، فقد كنتُ مِن أقرب أقربائهما، بل إنّ ميل الخال إلى المزاح وإلى بعض المناوشات المَرِحة كان يطمس حتّى فارق السّنّ بيننا، فنصبح كأنّنا صديقان.
مع هذا، فقد يحدث، نتيجة أداء مهمّة من هذا القبيل، أمر غريب أو مزعج أو مضحك، وذلك بحسب الزّاوية التي نراه منها. وبالفعل، فقد وقع لي في مثل هذا السّيّاق أمر تثير ذكراه لديّ قليلاً من الغضب أحياناً، وابتسامة مَرحة أو ضِحكة وجيزة في أحيان أُخرى. ما القِصّة إذن؟
لقد حدث ثلاث مرّات أن كلّفني خالي - الذي كان متعباً حقّاً في كلّ من تلك المرّات - بأن أمضي إلى المستوصف القريب لأجلب له أقراصاً لِمعالجة الصُّداع. كان ممرّضو المستوصف يعرفونني، فقد رافقني الخال ذات مرّة أُصِبت فيها بالتواء في الكاحل وأنا ألعب كرة القدم مع فتية آخرين، وقال لهم في المستوصف بأنّي ابن أخته المقيم عنده بِشكل عابر. وكان عليّ أن أَدّعي - حين أمضي لِأجلب له تلك الأقراص- أنّي أنا المصاب بالصُّداع. في المرّتين الأولى والثانية، أعطوني أقراصاً عُدتُ بها إلى بيت الخال وناولته إيّاها. حدث ذلك في الصّيف الماضي. وبعد يومين من حلولي عنده في هذا الصّيف، طلب منّي من جديد أن أمضي إلى المستوصف وأَدّعي أنّي مُصاب بِصُداع نِصّفِيّ وأعود ومعي الأقراص. أردتُ أن أتنصّل من تلك المهمّة فقلت له: "لماذا لا تذهب بنفسك عندهم، فلا أضطرّ أنا للتّمثيل؟" أجابني: "والله يا حمزة أنا متعب ورأسي يكاد يتصدّع...". أردتُ أن أتهرّب باستعمال ذَريعة أخرى. قُلت له: "ولكنْ يُمكن أن أجد ممرّضاً لم يرني مِن قبل فيشكّ في وجود عائلة لي بهذا الحيّ". بلا تردّد، نَهض وأخرج بطاقة تعريفهِ من حافظة أوراق بجيب داخلي بسترته، وناولني إيّاها. لكنّي لَم أحتج لتقديمها للممرّضة الّتي استقبلتني في المستوصَف بِروح أموميّة. كانت امرأة في نحو الثّلاثين، شَعرها أسود وقصير، وهي بَضّة وطيّبة. قلت لها: "لديّ صُداع في الرّأس". تأمّلتْ وجهي جيّداً، وسألتْني إن كانت الحمّى تَحُلّ بي ليلاً، ولا أدري لِماذا أجبتها بالإيجاب، وربّما فعلتُ ذلك درءاً لِمزيد من الأسئلة مِن طَرَفها، لكنّها سألتني مُجَدَّداً: "هل تُعاني من هذه الحالة منذ أيّام، وهل تشتدّ عليك الألم في اللّيل ؟" حرَّكتُ رأسي من فوق إلى تحت، وشعرت بخجل شديد بكوني أجيب إجابات كاذبة وشعرتُ بِوجهي يَحمرّ. توجَّهَت هي إلى ممرّضة أخرى كانت واقفة خلف طاولة فوقها عقاقير وشاش وضمادات وأوعية بها سوائل زرقتها خفيفة، وقالت لها بالفرنسيّة إنّ حالتي تستوجب حقنة فولتارين فوراً. لم أُيْدِ اعتراضاً على ما سمعت. وتكفّلَت بي الممرّضة الثّانية وتحمّلتُ الحقنة، وحين غادرت المستوصف، شَعرتُ بالارتياح وتنفّستُ الصُّعداء. بعدها، مضيتُ للتّجوال هنا وهناك، قبل أن أعود إلى بيت خالي، الذي كان قد ربط حول رأسه قِطعة قماش، فيما كانت زوجته في المطبخ. على طاولة صغيرة أمامه، كانت هنالك علبة دوليبران. أشرتُ إلى العلبة، وقلتُ له: "لِماذا لم تُفَكِّر في شرائها من البداية وتتركني في سلام؟" ردّ عَلَيّ : "لماذا؟ لأنّ الصيدليّة بعيدة والمستوصف قريب. وأنت، لماذا تأخَّرْت، وهل أعطوك أقراصا؟". ضحكتُ على مَضَض، ثمّ رويتُ له ما حدث ووجهي مكفهِرّ قليلاً. كنتُ أنتظر منه أن يُبدي بعض الأسف لما حدث، لكنْ ندَّت عنه ضحكة متقطّعة وطويلة، ثمّ نادى زوجته حليمة وروى لها ما وقع لي، فبدت علامات الأسف على وجهها. لكنّني أنا بدأتُ في الضَّحِك. ومددْتُ للخال بطاقة تعريفه، فنهض بتثاقل ليُعيدها إلى الحافظة التي في جيب سترته. ثمّ دخلت القطّة وقفزت فوق السّدّاري وجثمتْ بجنبين فمرّرتُ يدي عل رأسها وظهرِها وسَرَتْ في صدرها هرهرة ارتياح...
بعد الظّهيرة بوقت، سأذهب إلى سينما الحمراء لأشاهد فيلمين. مساء أمس، قضيتُ ساعات في شاطئ مدينة سَلا. وأنا الآن أتجوّل بلا هدف. يُمكنني أن أمضي إلى محلّ خالي لأثرثر معه قليلاً، أو أنصت لحديثه مع أحد زبائنه. غريب أنّه لم يَحْلِق لي قَطّ رأسي. لكنْ لا داعيَ لذلك الآن. مرّةً، قمتُ بتمثيليّة في ذلك المحلّ، أتذكّرها فأشعر بقليل من الأسف، ومع ذلك، فقد كان فيها جانب هَزليّ. كان ذلك صبيحةَ يومِ ثلاثاء مِن الصّيف الماضي. كنتُ قد قطعت شارعاً ثمّ انعرجتُ نازلاً في الزّنقة الرئيسيّة بِجوطيّةٍ بِحيّ يعقوب المنصور، قاصِداً دكّان خالي الطّيّب. وإذ وصلتُ أمام باب الدّكّان، لاحِظتُ أنّ الخال ليس موجوداً فيه، لكنّي حين التفتُّ يميناً، لمحتُه غير بعيد عنّي، لكنْ مُولِياً إيّاي ظهرَه ومُتّجهاً بسرعة صوب المراحيض التي تُوجَد في الطّرف الآخر من الجوطيّة. يَلزمه نحو خمس دقائق أو أكثر قليلاً للوصول إليها، ففي طريقه باعٌة أمامهم عربات صغيرة بِعجلات، وآخرون افترشوا الأرض، ومدّوا أمامهم بُسُطاً من القماش أو البلاستيك أو الكرتون، عرضوا عليها أشياء مختلفة وأحياناً بلا أهمّية، فإلى جانب باعة كتب أو ملابس قديمة، تَجد من يضع أمامه قناني بلاستيك فارغة وملاعق صدئة بعضها مكسور ومصابيح أكثرها لم يعد قابلا للاشتعال، فقد كان بعض عارضي هذا الصّنف من "البضائع" يبتغون تزجية الوقت فحسب، وهمّ كلٍّ منهم أن يثرثر مع جاره أو ينصرف إلى التّأمّل صامتاً، مُدرِكاً أنّه لن يربح من "تجارته" شيئاً. على الخال إذن أن يَمرّ وسط باعة وأناس متجوّلين وعربات، بلا إسراع، فالطّريق ليس مفتوحاً أمامه. بداخل دكان الخال، كان هنالك رجل جالس على الكرسيّ الدّوّار، وقبالته المرآة الكبيرة. كان الخال، قبل أن تباغته الحاجة إلى الخروج، قد بسط قطعة قماش بيضاء ومستطيلة على أعلى صدر ذلك الزّبون، ولفّ جانباً منها حول عنقه، وبدأ في بَسْط رغوة الصّابون على عارِضَيه. قلتُ في سِرّي، كأنّي أتوجّه إلى الخال: "سأمزحُ معك قليلاً يا خالي، ولْتَكنْ واسع الصّدر". دخلتُ إلى الحانوت واقتربتُ من الزّبون وسلّمت عليه. قلتُ له إنّي ابنُ أخت السّي الطّيب ومُساعدُه. حرّك رأسه مُصَدِّقاً على كلامي. أخذتُ فرشاة وغمستُها في الطّست الصّغير المليء برغوة الصّابون، وبدأتُ في بسط طبقة جديدة مِن الرّغوة على عارضَيِ الرّجل الصّامت. كنتُ أقوم بذلك متباطئاً، مُلقِياً نظرات جانبيّة نحو باب المرحاض العموميّ، وبدا أنّ الزّبون ارتاح لبرودة الرّغوة على جانبي وجهه، فقد زحزح كتفيه إلى الخلف وانحدر بهما قليلاً واستكان. انتظرتُ لحظة خروج الخال من المرحاض. وبالفعل، فها هو يَخرج وينعطف يساراً، قادماً إلى دكّانه، غيرَ مُسرعٍ في مِشيته. إنّه لَم يَرَ بعدُ ما أفعله. وها أنا أُمسكُ بِموسى الحلاقة الطّويل بِيُمناي، وأُقَرّبه مِن وجه الزّبون. لا شفرة في الموسى، لكنّي أحرّكه في الهواء لِيَراه الخال. سيظنّ أنّي شرعتُ في حَلْق لحية الزّبون. وها الخال يرفع رأسَه ويُوَجّه بصره صوب الدُّكّان. وفجأة تنفتح عيناه على سعتهما، كأنّه كان في حُلم وأيقَظَتْه منه صَفْعة. وبِمُجَرّد ما استوعبَ ما كان يرى، بدأ في الجَري ليصل بأسرع ما يُمكن، لكنْ كان عليه أن يتّبع طريقاً مُتعرِّجاً، فهو يمرّ مِن جديد بين بُسُطٍ وعربات يد ومتجوّلين يمشون الهوينى. لا شكّ أنه كان مرعوباً من كوني سأريق دَم الزّبون المسكين، ما دمتُ لا أُحسن الحلاقة. كان يجري على أيّ حال. وأضحكني اهتزاز بطنه البارز قليلاً، ثمّ سقطتْ طاقيتُه من فوق رأسه، فانحنى والتقطها... وحين اقتربَ مِن الدّكّان، فكَّرتُ في أنْ أهرب، ولكنّي، رَغماً عنّي، تسمّرتُ في مكاني. شهرتُ موسى الحلاقة الذي لم تَكن بِطرفه شَفرة، وحرّكتُه قليلاً أمام عينيه حتّى يرى أنّي كنتُ أمزح فحسب. وبالفعل، عادت لوجهه علامات الاطمئنان، وفي الوقت نفسه بدا عليه الإرهاق. قال لي : "مزاحك ثقيل وصبيانيّ. لا تعد إلى مثل هذا أبداً. ألا تستحي؟" ثمّ فاجأتنا ضحكة من الأعماق، ندّت عن الزّبون الذي أدرك أنّه، دون رغبة منه، أدّى دوراً في تمثيليّة ساخرة ومُخيفة بالنّسبة لِلخال.
هذه الواقعة هي الآن واحدة مِن ذِكريات الصّيف الماضي. إنّها الواحدة والنِّصف بعد الزّوال الآن. في المساء، سأمضي لرؤية فيلم وِيسترن مِن بطولة كيرك دوغلاس وآخر عربيّ يُمثِّل فيه عبد السّلام النّابلسي. أَدخل إلى بيت خالي، وأجِده يروي للخالة حليمة حُلماً رآه في الليلة الماضية. أضحك من كونه كان يَجري حافياً في الحُلم. يَسأل زوجته إنْ كان الكسكس جاهزاً. تمضي هي إلى المطبخ. تناديني فأنهض وألتحق بها. أجدها قد هيّأت صحن كسكس كبير، ووضعتْ عليه غِطاء، ولفّت قاعدته بفوطة مُلوّنة طويلة عريضة وسميكة. تقول لي : "آوَلْدي آحمزة، الله يخلّيك خُذ هذا الطّبسيل واحمِله إلى إبراهيم وأصحابه". وها أنا، ممسكاً بين يديّ صحن الكسكس، أتوجّه نحو مَقَرّ "الفرقة النّحاسيّة.
27 ــ 03 ــ 2026
