تقديم :
حين نَذكر الشّاعر محمّد السّرغيني، فإنّ ما يتبادر إلى أذهان العديدين هو أمور مِن قبيل: التّجريب، الغموض، التّجذّر في الثّقافتين العربيّة والغربيّة، لا مبالاة فيما يخصّ النّشر. البعض قد يشير إلى علاقة ما لكتابات هذا الشّاعر بالتّصوّف، ولكنّ السّرغيني أميل إلى اعتبار التصّوف فلسفة، ويرى أنّ من كانوا يُنعتون ب"الشّعوب البدائيةّ" أنفسهم اعتنقوا نوعاً من التّصوّف له أبعاده الجماليّة. وما ينبغي الإلحاح عليه أكثر هو أنّ محمّد السّرغينيّ- الذي بدأ في كتابة الشّعر منذ أواخر أربعينيّات القرن العشرين- كان متتبّعاً للتطوّرات التي عرفتها وتعرفها مختلف المجالات الإبداعية في أوروبا، وبالفعل، فهو يبدو في شِعره متشبّعاً بالأساليب الدّادائيّة والسّوريّالية والاتجاهات الأدبيّة التي كانت تُنعت ب"الطّليعيّة"، بما في ذلك أساليب أدباء اللامعقول (أو "العبث"). فالسّرغيني كتب، فِعلاً، أطروحة عن ابن سبعين، ومن جهة ثانية، كتب شِعراً بالفرنسية، وترجم لِصلاح ستيتيه ولفرناندو أرابال...
وُلِد محمّد السّرغيني بمدينة فاس سنة 1930. دَرس بجامع القرويين، ثمّ بكلّية الآداب ببغداد سنة، ثمّ بجامعة السوربون، التي حاز منها دكتوراه دولة. وقد اشتغل أستاذاً بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بفاس.
يُعَدّ محمد السرغيني أحدَ رُوّاد القصيدة العربية المعاصرة بالمغرب، ومثلما كتبَ الشِّعر، فإنّ له إنتاجاً في مجالات النقد والتّرجمة والرواية. وهنالك أمر غريب لا بدّ أن نشير إليه، وهو أنّ محمّد السّرغيني، الذي بدأ كتابة الشِّعر في سنة 1947، لم يُصدِر مجموعته الشِّعريّة الأولى إلّا سنة 1987، كما أنّ هنالك أمراً آخر أقلّ غرابة، وهو أنّه بدأ نشر قصائده باسم مستعار هو محمّد نسيم.
من إصداراته الشعرية : "ويكون إحراق أسمائه الآتية"، "بِحار جبل قاف"، "الكائن السَّبَئي" ، "من فعل هذا بجماجمكم"، "احتياطيّ العاج"... وله رواية بعنوان : "وَجدتُك في هذا الأرخبيل"...
هذه بعض نصوصه الشِّعريّة :
الوِرَاقة الأولى
بِنصف الأرض قامرنا وبالباقي امتطينا صهوة الرّيح. اقتحمنا عُزلةَ الورّاق والبةَ المعلّم في سجستان.
وقلنا إنّ ماء العين يَمزج لونه حتّى يُداهمه البياض. بهذه الحِرفة
تشرّدنا. تلاشينا خلال الجلسة الأولى وأقحمنا العناكب في الوصاية.
وكنّا في حَرير الحِبر أكثر راحةً منّا ونحن على سرير اللفظ والمعنى. ولمّا دارت الحلْقة
ربحنا الشّيء مُنفرداً وشيء الشّيء مُزدوجاً وقال الرّقم لِلعدّاد
كلاماً في زمانين.
تَقرع باب المغارة يَرنُّ جَبل الثلج
لنْ أصدّق أنّ المغارة بين صلاتين مغبرَّتَين
أشارت على الثلج أن يتهاطل فوق غُبار العصور الخوالي
بما أن تازة تَقرأ بالصّوت والضّوء ما كتبته يداي ،
وتنحت في الأزل الطّفل والأبدِ الكهل للرّيح باباً ، وللسّادن
المتيقّظ رائحةَ الباب
( لستُ غريراً إلى حدّ أن أتملّق تُفّاحةً أخطأتْ)
من ترى سوف ينحت لي في المغارة متكأً وسريراً، وفي
الثّلج منتجعاً للبياض ؟
أُصرُّ على أن أخطَّ ضريحين عند المغارة والثلج لي ولسِفْري
الذي كتبته يداي ،
ولو أنّ ملحاً وماءً ومن بين فَرْثِهما
يَخرج الدَّم أَضْيَع مِن كائن يَتعرّض راتبُه فجأة لاقتطاع
بذيء .
أطمئنكم أيها الوارثون الأوائل :
تازة أحنى على شغبي من رطوبة عاصمة تتضايق
من ساكنيها المجانين .
شعري عَرَّابهم .
( نسبةُ الحَدس عالية في الجنون )
ثقوا أنَّني ضيفُكم وأنزعُكُم إرثَكم .
لكمُ الأوّلية يا أنتم الشُّعراء !
الغائب في شهادته
(مُقتطف)
فرّ الدّخان مِن وجوه النّاس. دسّ عِشقه في جيبه الأيسر كي يُبعثَ فيه يوم لا ينفعه المالُ ولا النّومُ على كينونة واحِدةٍ. فَرّ كما سحابة الصّيف لأنّ الوقت جِدّ ضيّق. مُنتفخ بِعادة التَّكرار والتّجذيف في الفراغ. فوق صدره الهرمونيّ
زمنُه، وحزمة الأفلاك تحت معطف الكرادلة.
وفي الصّباح استيقظ الدّخان والدّلو على الغائب في الشّاهد. لم ينقطع الحبل ولا البئر ولم ينهرهما القَراغول،
وبعد أن تعاقب الكرادلة،
على المنصّة فقأت بَصَر المنقار بالشّهوة. صار العددُ الزّوجيّ رقماً مُفرداً مِن ذَكر وأنثى.
خلقتُه مِن بُؤسِه وسِيرة السّرير الاستوائيّ،
وقلتُ للشَّبه: تلك عُصبة مِن أربعين رَجُلاً. فكنْ لها وكنْ وديعاً في عشائك الأخير! (كبرياء البحر في المَحار والشَّبَق في الزَّبَد والرّغوة). أحلى زمن تنام فيه عارياً، وربّما الأحلى تقاطع الحواسّ في استراق اللمس. لا أعلم إن كان الدُّخان وَحده يُقِرّ باحتضاره. لكنّي أعلم أنّ حجراً مُنفرداً
يُفَجِّر الطّوفان في بُكاءين.
فواكه فاس السَّبع
زقاق الرُّمّان
عَرَّشتْ فوق سُور الزّقاق المشاغب، طعمُ التّقمص فيها ورائحة الزّغب المتمرّد والأرجوان، تَردّ بأحسن منها التّحية إن رشقتْها الحجارة أو فاجأتني على حافة القِشر واللبّ أُحْصي أساميَ من وقعوا في حبائلها.
رحبة الزبيب
تشكو من عسر الطّلق ومن بيوض النّخل، وأشكو من عنب مُزّ لم يبلغ سنّ الرّشد. وفي جلسة أنس ضمّت قرّائينَ صغاراً، أَوكلت التّجفيف إلى جَمر الميلاد المفتوح، وكلّفت العرّاف الإغريقي بإيقاد الفتنة في أفسوس.
درب مشماشة
فاجأها أنَّ اسمَها المائيّ مبتور الذراعين، وأنَّ أرذلَ العُمر وعنفوانَه علامةٌ على دخولِ الشّئ في الشّئ ـ وأنَّ العيبَ في الشَّمّ الثُّنائي. لذا أيقظتُها من عشبها بقدر ما وَسِعني تجاوزُ النّواة واللزْجِ من مخلّفات ريقها.
درب التّوتة
حاصرتني – ومعي برعمها الأخضر – من كلّ الزّوايا، ورَمتني بحصى التّرمس جبراً، واختياراً ببذور الملح. يا لي! إن تعرّت وأنا مِلْء الجهات السّت مَعنىً لبستْ جثَّتَه سِتُّ جهات، وَتعَرَّتْ لِعَراء الورَقات السبع. يا لي!
باب الخوخة
بنى شخص من الهِكسوس قصراً في مكان ما من التّاريخ. أوصاني ببثّ العطر مزكوماً، لأنّ الشمّ معصوم من الأخطاء، والدّودَ الذي في الدّود عُضويٌّ. تخلّى القصر عن تقليده الألفي واستغنى عن الأبواب بالحجاب.
باب الزيتونة
من هذه الأشجار واحدة تقول بزيتها لي: أن تريث حين تشعر بانحسار الضوء عن زيت الفتيل، ففي ثراها ينحت الحطّاب قصّته مع النّار التي علقت بفأس غير موهوب يوقع باسمه الشخصي فوق لحائها المعطوب.
أجزام برقوقة
باحثاً عن مساحة هجرتْها دودةٌ ضخمة تجاوزها الرّكب، رأيت الجذور تنقل بعضاً من تعاليمها إلى الماء والطّين، لذا أسلمتْ إلى الريح ساقيها وأهدت إلى الجرادة صيفاً مِجهرياً، وروح عَشْتارَ فيه.
كان لي
الحقّ في
الأولوية
عند
دخولي
على متن
تفّاحة
وخروجي
على ظهر
أفعى.
تقرير مُفَصَّل عن سيرة المعلّم الأوّل
