ضيف الشّهر - شوقي أبي شقرا

  تقديم   

قال عنه نزار قبّاني : "لــه قُماشــة مختلفــة عــن كلّ شــعراء مجلّــة "شــعرويتحــدّث بلغــة تشــبه لغــة الأطفــال والمجانـيـن والحشّاشـيـن، تنتظـره مـن الـشّرق فيأتيـك مـن الغـربســاخر وكاريكاتــوري، وفيــه شيء مــن غرابــات ســلفادور دالي".

فشوقي أبي شَقرا، بِالفعل، لا يُشبِه أيّ شاعر آخر، ونصوصه لا تبخل على قارئها بالمفاجآت، إضافة إلى كون معجمه الشّعري منفتح على أجمل كلمات العربيّة المحكيّة في القرية اللبنانيّة وأجمل مفردات العربيّة القديمة أحياناًولو أنّنا سألنا شوقي أبي شقرا: "مَن تكون يا شَوقي؟لربّما أحالَنا إلى نصّ أو نصوص له، ولحظتَها سنقرأ، على سبيل المثال : "أنا شفّاف طويل كالرّواية ألتفتُ كالحِمار الوحشيّ ... أدخل في الحائط واخرج منه". "كتبتُ فروض العطلة مَزحت مع الماشية." ولو طرحنا عليه هذا السّؤال الخاصّ: "هل أنت شجاع يا شوقي؟"، لما تردّد في أن يحيلنا، بِمَرَح، إلى هذه الشّذرة التي كتبها ذات يوم: "لستُ شجاعاً، لَن أقفز على الحصانلأنّني خفيف فقدتُ وزني في المغامرات".

شوقي أبي شقرا (1935 ـ 2024) شاعر لبنانيّ من روّاد "القصيدة الحرّة" (قصيدة النّثروالشّعرِ السّوريالي في لبنانوُلِد في بيروت، لكنّه عاش طفولته في مناطق قرويّة، فقد كان والدُه دَرَكيّاًوسيموت والدُه الدّركي بسبب حادث سير وهو صغير السّنّ، فيتأثّر بِشِدّة وعلى امتداد حياته لتلك الواقعةكتب شوقي أبي شقرا في البدء قصائد بالفرنسيّة، ثُمّ أُخرى عموديّة، ثمّ قصائدَ تفعيلة قبل أن ينتقل إلى "قصيدة النّثربِشكل نهائيّ،  مع ظهور مجموعته الشِّعريّة الثّالثة: "ماء إلى حصان العائلة" (1962).

وهو أحد أبرز شعراء مجلة شِعر الّتي كان قد أسّسها يوسف الخال (ورأس تحريرهاسنة 1957، وكان مِن شعرائها محمّد الماغوط، وأدونيس وفؤاد رفقة وأنسي الحاج، إضافة إلى يوسف الخال طبعاً وشعراء آخرينحاز ديوان أبي شقرا، "حيرتي جالسةٌ تُفّاحةً على الطّاولة"، جائزةَ مجلة شعر في العام 1962. وَترجم أبي شقرا نصوصاً لِشعراء مثلرامبو، ولوتريامون، وأبولينير... ومنذ 1964، اشتغل مسؤولاً عن الصّفحة الثّقافيّة في جريدة النّهار البيروتيّة، ومَارَس مُهمّته تلك حتّى 1999.

من مجموعاته الشِّعريةأكياس الفقراء، خطوات المَلك، ماء إلى حصان العائلة، سنجاب يقع من البرج، حيرتي جالسةٌ تُفَّاحةً على الطّاولة، صلاة الاشتياق على سرير الوحدة، سائقُ الأمس ينزل من العربة...

كان شوقي أبي شقرا متفرّداً في شِعره، سورّيالياً ولا شكّ، وكان قبل ذلك الطّفلَ القرويّ الصّغير الذي حزن كثيراً لفقدان والده، ولا شكّ أنّ ذلك الطّفل بقي نابضاً بالحياة والحيوية في أعماق أبي شقرا في مختلف مراحل حياته.


هذه قصائد وشذرات من نصوص شِعريّة له (بعض النصوص هي بلا عناوين) :

مخالبك

أيتها الكآبةُ حذاؤك أحمر، تُسرعين مثل الفهد وتفوح مخالبُك.

دجاج الأرض عبدُك وبرجُ الدلو يَرشُّ عليك اللؤلؤ والكولونيا.

******

رأت جدّتي مشاكلَ في حياتها تهبط على ثيابها وقلبها كالسّنونو وتعبت في القَنطرة تخبز العجين وهي تضع منديلاً بُنّياً على رأسها كالمادونا ، إلّا نهار الزّيارة حيث تلبس منديلاً أبيض يكرج كالغيمة حتّى قدميها .

******

تنّورتها مشهورة كأبي زيد الهلالي تَلفُّ الإقليم يسجد لها الفلّاحون ويدقّون الأجراس حين تذبل الشّمس على التّلال .

******

أولاد يحاربون الدّهور

إلى القمر الأعزب نُرسل بطّيخة صفراء فيها فارة وصرصور وعنكبوت وكلب ينبح، لِيتسلّى.

سَنرسل قَمَرة ليتزوّج ويدافعَ عنه أولادُه كلَّما هجمت عليه الدّهور بِالرِّماح والحِجارة.

******

مات والدي منذ خمس عشرة سنة دَفنّاه مَحمولاً على الرّاحاتتبدو مقبرتُه في القريةهِي صُندوقة بريد وهو ينام كان رقيباً في الدَّرك يَقصّ شعرهيركب الدّرّاجة النّاريّة تحفظ أمّي عن ظهر قلب حذاءَه الأسود الطّويل رقم 44 وقبّعتَه وثوبه الكاكيّ وأزراره الذهبيّة تَدَهور نَزل إلى وادٍ مُلوَّن بِالصُّخور .

******

يَمُدّ الربيع قدميه في لبنان فتطلع رائحتهما هو صديق المطران يُحَرّك نوافذَ غرفته يَلمس المذبح ، يَدقّ الجرسيَتزحلق على الكاتدرائيّة والإنجيل تلتقطه الرّاهبات ويبدو للتّلاميذ سطراً ناعماً في الدّفتر .

******

تلْمع في جدّتي غمامة الشّتاء والْموْزصدْرها حانوتٌ تطْمر فيه الليّرات الْعثْمانيّة والْمجيدياّت، بجانب ثدْييْها اللّذيْن أرْضعا جيل عائلتيلا تغْسل أسْنانهالا تحْضر الْأفْلامترى رأْس الْإبْرة وهْي في نفقٍ أوْ قصْرٍ مهْجورٍ.

******

جُمهورية الخُيول

لَو أنا رئيس الجمهورية ، أُرَفِّع الخيول نُبلاءَ وأعطيهم سهولاً وحوافرَ ذهبيّة وملاعق وسكاكين وشِوَكاً ومَحارم فِضّية وأُعطيهم الإذاعة والحدائق وأَترك لهم شَعرهم الطّويل .

وأقبض على الثَّعالب، أغْزِل سروجاً لها فهي الخيول، والدّيوك هي الفرسانوعندما أَصْفِر تركض ويفرح الشّعب وتُراهنون وتُصفِّقون وأبقى رئيسكم إلى دَهر الدّاهرين .

******

أرتفع على قشّة نحو النّوافذ أطفئ قنديلَ شَهرِ العسل .

*****

الأصفر

تحملني وأنا البطّيخة

وأتزوّج ولي سبعة من التأملات

ويعلو الأحرار فوق الكوخ

يقفزون لأنّهم الجندب

ويعزفون لأنّهم الوتر والعود

ويُطلقون قيراطاً من منجم الحزن

وأنا المرفأ والصّخب

والمراكب سِنان التّقوى والجرس

آهة الكاهن الأوسع مِن الزّمان

عندما القربان يتناول الزُّرقة

وناحيةَ الرّصيف والقَصبة

ومن السّفر جاءني اللّحن

ورائحة الفِراسة

ويلمّني الشّرق فلساً فلساً

أصفرَ من وزّال الخيال

وعلى العاصفة أنْ تكرج

وأن يَظهر ساقاها

وأن القشة لا تموت بل هي راقصة البيدر

ولا يستحي المنزل من العُري ولا ينبس

جاط الفاكهة.

*****

أُعلّم الْقطيع ركوب الدّراّجات الْهوائيّة ليسْبق الذّئاب والسّيّدة الْأرسْتقْراطيّة.

*****

ابْنة عميّ راعيةٌ في الْمتْحفأخْتي تتزحْلق، تجرّ في طريقها الثّلْج والْمباريات الرّياّضيّةابْنها عشْبةٌأمّي صخْرةٌ أقْطع عليْها النّهْر.

*****

أطْبع أغانَي أعلّقها في حنْجرة مطْربةٍ يهْزأ بها الزّبائنيضْربونها بالْكراسي فتبْلع ريقها.

*****

حدثتْ أعْجوبةٌطارتْ عنْزتي بِدلْو الْحليبأخذتْ معها الصّور والْأقْلام.

*****

رسالة

قَلْبي يَتمشىّ وحْده

عَارِياً بعْد الْعشاء،

اِنْتظريه يصْبغْك بالْحبْر الْأحْمر

وَيُصَحّحْ لك غلْطة الْكحْل.

*****

السُّكارى

على السّكارى يتدلّى الصّباح فاكهةً.

ينْزل خنْجر النّور في أجْسادهمْ

أحْمرَ بطّيخٍ.

الْقشور إلى الْحمار،

الْبِزر إلى السّتّات،

جلْد الدّبّ إلى الْـمخْطوفات.

مِنْ مصايف كؤوسهمْ يرْمون

الزّيْتون الْأسْود، والنّظام الْأسْود

والضّجر في منافضهمْ

أوْفْ أوْفْ

عيْناي يا موْلاي جمْرتان.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الضّيفان السّابقان 

سنيّة صالح

محمّد السّرغيني