المقهى الذي ستجري فيه حوادث القصّة التّالية (الواقعية، المعيشة) ، ترسّخ في ذاكرتي، مع ثلاثة مقاه أخرى بَرمج موظّف في استخبارات الدّاخلية بسلا الجديدة (بتوجيه من موظّف الاستخبارات موشكان) نُدُلاً ليُقَدّموا لي شاياً ملوّثاً، وسأعود إلى هذه المسألة الأخيرة لاحقاً...
المهمّ أنّي جلستُ إلى طاولة بتيراس المقهى المذكور بِسلا الجديدة لأستريح وأشرب قهوة أو شاياً. وقد لاحظتُ أنّ هنالك نادلة جديدة، بدت لي - والحق يٌقال - من الصّنف الذي ينبغي التعامل معه بِحَذر، وهذا بناء على تجارب سابقة عِشتُها. كيف ذلك؟ كان بِشَفتي النادلة الجديدة زُرقة واضحة، مَرضيّة ربّما، وبوجهها نُدوب وبعينيها احْمِرار، وقد بدتْ لي نظراتُها وحركاتها غريبة، حين وقفتْ أمامي لأطلب منها ما أريد أن أشرب. قلتُ في نفسي: "ربّما تكون انطباعاتي عن هذه النّادلة خاطئة، وقد يكون ما لاحظته من علامات على وجهها ناجم فحسب عن حياة صعبة، بسبب الفقر مثلاً".
طلبتُ منها قهوة "نُورمال"، وحين جاءتني بها قالت لي: "لا أستطيع أن أنظر إلى هذه الطّاولة التي بجانب طاولتك. الله يخلّيك، ابتعد عنها. انتقل إلى هاته الطّاولة (أشارت إلى طاولة أُخْرى)". انتقلتُ بالفعل إلى الطّاولة التي أشارتْ إليها وقُلتُ لها: "ما مِن مشكل، ولكنْ ما الذي يُزعجك في الطّاولة التي كنتُ قُرْبَها؟". مدّت سبّابة يُمناها في اتّجاه تلك الطّاولة، وقالت: "انظُر، أترى تلك البقعة الحمراء التي على سَطْحِها؟". نظرتُ إلى حيثُ أشارتْ، فبدتْ لي بالفعل بقعة حمراء دائريّة صغيرة. قلت لها: "هذه قطرة صباغة ناشفة، لا يصعب كَشْطُها مِن فوق سطح الطّاولة". قالتْ لي هي: "لا. هذا دَم". كان واضحاً بالنّسبة إليّ أنّ تلك اللّطخة الصّغيرة الحمراء هي صِباغة وليست دماً، فقلت لها مُجَدّداً : "هذه قَطرة صِباغة فحسب..."، فكرَّرتْ : "لا، هذا دم"، فلم أقل أنا شيئاً، ولم أتساءل حتّى عن دافعها إلى الكذب". لكنّها بادرتْ مِن تلقاء نَفسها وقالت : "كان هنالك شخص غيرُ سَويّ جالساً إلى تلك الطّاولة، وأصابته نَوبة عصبيّة فيما يبدو، فبدأ يَهوي على الطّاولة بِرأسه، ومن جبهته سالت تلك القطرة". بدا لي أنّها تُخَرِّف، فضحِكت ولم أُطل الكلام في ذلك الموضوع.
إنّها لنادلة مُريبة، قُلتُ في نفسي. فكيف يَرْطم شخص سطحَ طاولة صقيل بجبهته فيسيل من هذه الأخيرة دم، بل قطرة دم واحدة بالتّحديد ؟ ثمّ إذا افترضنا أنّ ذلك قد حدث، فَلِمَ لم يتمّ تنظيف الطّاولة، بِمَسحها بإسفنجة مُبَلَّلة مثلا؟ ازداد ارتيابي بالفتاة، فملامحها ونظراتُها وكلّ شيء فيها لا تبعث على الارتياح لِشخصها. أزحتُها مِن ذهني. وجاءتني بقهوة، فبداتُ أرشف منها، وكلّما وقع بصري على قطرة الصِّباغة، أبتسم وأستغرب.
أردتُ أن أُغادر المقهى، فوقفتُ من جلستي، ومن خلف نافذة زجاجيّة في الجدار الخارجيّ، بدأتُ أُلَوّح للنّادلة بأن تجيء عِندي لأُسَدّد لها ما عليّ، لكنّها لم تُرِدْ أن تخرج المقهى. كرّرتُ التّلويح دون أن تُقرِّر النّادلة الغريبة الخروج.
إذن، فقد دخلتُ أنا إلى المقهى لأبحث عنها، فمررتُ عبْرَ باحة مربّعة بها طاولات وقِلّة من الزّبائن، أفضتْ بي إلى باحة أخرى مُربّعة أيضاً، ليس بها زبائن، ولكن يُوجد في أقصاها كونتوار المقهى. وفَوْرَ اقترابي من الكونتوار، خرج الشّخص الذي كان خلفه عبر باب صغير قصير ذي مصراعين، ثمّ اجتاز الباحة الصّغيرة التي كنتُ أنا فيها وغادرها. قبل أن يَخرج مِن خلف الكونتوار، لا حظتُ أنّه ضغط بسبّابة يده اليُمنى على ما خمّنتُ أنّه زرّ آلة تسجيل.
وإذ التفتتُ إلى يميني، لمحتُ النّادلة مُنزوية، جالسة على أريكة غامقة الصّفرة وعريقة في القِدَم، تُدَخّن سيجارةً وأمامها منفضة. كان ارتيابي بتلك النّادلة قد زاد بسبب عدم استجابتها لندائي حين أردتُ أن أُؤدّي لها في التّيراس. وقد ركَنَت ما تبقّى مِن سيجارتها على حافّة المنفضة وبقيتْ جالسة. لم أُرِد أن أتحدّث إليها. أخرجتُ ورقة نقديّة ولوّحتُ بها نحوها. التقطتْ سيجارتها مُجَدّداً ونترتْ منها، ثمّ أعادتها إلى وضعها المائل على حافة المنفضة، وجاءت نحوي. نَظرَتْ إليّ وقالتْ: "الله يغفرْ لِينَا". لمْ أُحِبها. حرّكتُ الورقة النّقديّة أمام عينيها. كرّرتْ: "الله يغفرْ لِينا". قرّرتُ أن أعبث بها قليلاً. فاجأها الصّوتُ الذي صدر عن حنجرتي: "حمممحممْ". ابتسمَتْ. مرّة أُخرى قالتْ: "الله يغفرْ لِينا". ابْتسمتُ وبدأتُ أسعل بِشكل مسرحيّ. شعرتْ بالإحباط وضحكتْ مع ذلك وتناولتْ الورقة النّقدية. ثمّ أعادت إليّ ورقات نقدية وبضعة دراهم. ناولتُها درهماً. ابتسمتْ ولم تقل شيئاً. مَططتُ شفتيّ بشكلٍ مُبالَغ فيه ثمّ أَعَدتُهما إلى حجم ابتسامة طبيعيّة. حيّيْتُها بهزّات مِن رأسي وغادرتُ المقهى.
.
خرجت من المقهى وفكّرت : "السيناريو الذي عشته الآن هذا خارج مِن ظلمات عقل مشكون، الذي اعتنق عقيدة الكراهية والحِقد، أمّا التّطبيق العمليّ فقد تمّ التّخطيط له في "مكتب" بتلك الزنقة المحاذية لموقف سيارات التاكسي الكبيرة ها هنا في سلا الجديدة. "
ما الغاية من ذلك السّيناريو ؟ إنّ ما يهدف إليه مبرمج تلك النّادلة المُزوّرة واضح ولا شكّ. فهو كان يتوقّع أن أُجيب النادلة على قولها "الله يغفر لينا"، بعبارة مِن قبيل: "وماذا فعلنا مِن سوء... أنتِ تُدَخّنين، وهذا عاديّ"، ووقتَها ستقول لك هي، مُشيرة إلى مكان الطّاولة التي على سطحها قطرة الصّباغة: "وذلك الدّم! لقد سال منّي أنا"... إذّاك ستقول في نفسك إنّها ربّما مخبولة وتنصرف، ويكون الحوار الذي دار بينكما قد سُجِّل. وبعد يومين أو ثلاثة تتصل بك هاتفيّاً، فمعلوم أنّ رقمك معروف من قِبل مُؤلّف تلك المسرحيّة السّخيفة... تتّصل بك وتُفاجئك بلا تردّد بقولها: " لقد رأيتَ الدّم الذي سال منّي حين كنتُ معك... والكلام الذي كان بيننا مُسَجّل عِندي"، فيبدأ مشاكل رديء !
هل هذه المرّة الوحيدة التي قام فيها موشكان ومن معه بمحاولة تزوير الواقع ضِدّي؟ كلّا، كانت هنالك محاولات عديدة، مثيرة وغريبة، بعضها كان مسرحه العمارة التي أسكن بها...